إن الجهود الدبلوماسية التي بذلتها باكستان مؤخراً لتحقيق السلام المستدام في أفغانستان تستحق أن يتم تقييمها ليس من خلال ما إذا كانت قد أسفرت عن اتفاق فوري بين الولايات المتحدة وإيران، بل من خلال ما أنجزته على المستوى الاستراتيجي. أولاً، ساعدت في خلق مساحة دبلوماسية في لحظة حرجة، مما أدى إلى الحد من خطر التصعيد الإقليمي الكارثي. ثانياً، ساهمت في جلب واشنطن وطهران إلى اشتباك مباشر رفيع المستوى بعد ما يقرب من خمسة عقود من القطيعة، مما يدل على أن الحوار لا يزال ممكناً حتى في خضم المواجهة العسكرية. ثالثاً، وربما الأكثر أهمية، ساعدت هذه العملية في تحديد النقطة الشائكة الحقيقية التي يجب أن تُبنى حولها أي مفاوضات مستقبلية في نهاية المطاف. كلما سيطرت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران على عناوين الأخبار الدولية، يدور النقاش في كل الأحوال تقريبا حول البرنامج النووي الإيراني. ومع ذلك، فإن هذا التركيز غالبًا ما يحجب القضية الإستراتيجية الأعمق التي أحبطت الجهود الدبلوماسية بشكل متكرر. الملف النووي مهم، لكنه ليس العائق الحاسم. وفي الواقع، يظل مضيق هرمز نقطة الخلاف الحقيقية في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. الأهمية الاستراتيجية لهرمز إن هرمز هو أكثر بكثير من مجرد ممر بحري ضيق يربط الخليج العربي ببحر العرب. إنها واحدة من أهم نقاط الاختناق الجيوسياسية في العالم ومركز الثقل الاستراتيجي لأمن الخليج. ويمر عبر هذا الممر المائي ما يقرب من خمس النفط المتداول عالميًا وحصة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال. إن من يشكل الأمن في هرمز يؤثر حتماً على أسواق الطاقة العالمية، والردع الإقليمي، والدبلوماسية الدولية. وهذا ما يفسر لماذا تتوقف المفاوضات في كثير من الأحيان بمجرد أن تنتقل المناقشات إلى ما هو أبعد من تخفيف العقوبات وتخصيب اليورانيوم إلى مسألة الأمن البحري الأوسع. بالنسبة لواشنطن، الهدف هو حرية الملاحة دون انقطاع بموجب القانون البحري المقبول دوليًا. وتعتبر الولايات المتحدة هرمز بمثابة منطقة بحرية عالمية مشتركة، ولا غنى عن تشغيلها المستمر للتجارة الدولية وأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، يجب على واشنطن طمأنة شركائها في الخليج، الذين لا يزال الكثير منهم يشعرون بقلق عميق بشأن أي ترتيب أمني يمكن أن يعزز الهيمنة الإيرانية على المضيق. لذلك ليس من المستغرب أن يحتل الأمن البحري مكانة بارزة في المشاورات العسكرية الإقليمية، بما في ذلك المناقشات التي تشمل القيادة المركزية الأمريكية والشركاء الخليجيين. وتنظر إيران إلى المضيق من خلال عدسة استراتيجية مختلفة تمامًا. بالنسبة لطهران، لا يعتبر هرمز مجرد ممر شحن تجاري، بل هو أهم رادع استراتيجي تقليدي لها. ورغم أن إيران لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة من حيث النفوذ العسكري العالمي، فإن الجغرافيا تزودها بميزة استراتيجية فريدة من نوعها. إن موقعها على طول الجانب الشمالي من المضيق يمنح طهران نفوذاً كبيراً على أحد ممرات الطاقة الأكثر أهمية في العالم. وهذا الواقع الجغرافي يعوض جزئياً القيود العسكرية التقليدية لإيران ويعمل كأداة قوية للردع. وهذا يخلق التناقض المركزي في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. وتسعى الولايات المتحدة إلى الملاحة غير المقيدة. وتسعى إيران إلى الاعتراف بنفوذها الاستراتيجي. وما لم تتم معالجة هذا التناقض، فإن أي اختراق دبلوماسي سوف يظل هشاً بطبيعته. إن التمييز بين القضية النووية وهرمز له أهمية استراتيجية أيضاً. إن البرنامج النووي يدور في الأساس حول المكانة الوطنية والسيادة التكنولوجية وتخفيف العقوبات. وعلى النقيض من ذلك، فإن هرمز يدور حول النفوذ الاستراتيجي والردع والقوة الاقتصادية العالمية. أحدهما يشكل الأمن القومي، والآخر يشكل الأسواق الدولية. وهذا ما يفسر لماذا ثبت أن التسوية بشأن الأمن البحري أكثر صعوبة بكثير من المناقشات الفنية المستقبلية بشأن التحقق النووي أو العقوبات. ثمن السلام في الاستراتيجية العسكرية، يعتبر مركز الثقل هو المصدر الرئيسي للقوة الذي يوفر حرية العمل والنفوذ الاستراتيجي. واليوم، يؤدي هرمز هذا الدور على وجه التحديد في الخليج. ومن سيشكل بنيتها الأمنية المستقبلية سوف يؤثر بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي لعقود من الزمن. وبالتالي، أصبح المضيق ورقة المساومة الأكثر قيمة في أي تسوية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران. في العديد من الجوانب، أصبح هرمز ثمناً للسلام. إن أي اتفاق يتناول العقوبات، والتخصيب النووي، والتطبيع الدبلوماسي، في حين يترك البنية الأمنية للمضيق دون حل، لن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة التالية. يرى العديد من المفكرين الاستراتيجيين الإيرانيين أن الطريق إلى السلام الدائم لا ينتهي في طهران؛ يمر عبر مضيق هرمز. وسواء وافق المرء على هذا التقييم أم لا، فإنه يعكس بدقة جانباً مهماً من التفكير الاستراتيجي الإيراني، وبالتالي لا يمكن للمفاوضين تجاهله. وتعزز التطورات العسكرية الأخيرة هذا الواقع. وفي أعقاب الهجمات على السفن التجارية وسلسلة من الحوادث البحرية المرتبطة بالمضيق، شنت الولايات المتحدة ضربات ضد الأصول العسكرية الإيرانية. سعت هذه الإجراءات إلى تحقيق أهداف استراتيجية متعددة، مثل استعادة الثقة في حرية الملاحة، وإعادة تأسيس الردع ضد الهجمات على الشحن التجاري، وطمأنة الحلفاء الإقليميين، والحفاظ على مصداقية النظام البحري الدولي، ومنع أي تصور بأن هرمز يمكن أن يصبح أداة غير مقيدة للإكراه. ولكن من وجهة نظر طهران، عززت هذه الإجراءات نفسها الشكوك القديمة بأن الجهود الدولية لتنظيم الأمن البحري تهدف في نهاية المطاف إلى تقويض المصدر الرئيسي للنفوذ الاستراتيجي لإيران. ولذلك فإن العديد من صناع السياسات الإيرانيين ينظرون إلى المقترحات الخاصة بترتيبات أمنية دائمة متعددة الجنسيات في المضيق بقدر كبير من الشك. وسواء كان هذا التصور مبررا أم لا، فإنه يؤثر بشكل عميق على عملية صنع القرار الإيرانية ويعمل على تعقيد التقدم الدبلوماسي. البعد المهم الآخر هو المشهد السياسي الداخلي في إيران. ويؤكد بعض المحللين أن ليس كل حادث بحري يعكس بالضرورة القرارات التي اتخذتها القيادة السياسية العليا في إيران. وبدلاً من ذلك، يجادلون بأن العناصر المعارضة للمشاركة الدبلوماسية ربما سعت إلى تقويض المفاوضات من خلال التصعيد المدروس. ورغم أن هذا يظل تقييماً تحليلياً وليس حقيقة ثابتة، فإنه يوضح مدى تعقيد عملية صنع السياسات داخل إيران والتحديات التي تواجه المفاوضين. الطريق إلى الأمام وعلى الرغم من التصعيد العسكري الدوري، إلا أن القنوات الدبلوماسية لم تنقطع بشكل كامل على الإطلاق. وقد واصل الوسطاء الإقليميون، بما في ذلك باكستان وقطر وتركيا ومصر والمملكة العربية السعودية، تسهيل التواصل بين واشنطن وطهران، مدركين أن الدبلوماسية غالبًا ما تبقى حتى عندما يشير الخطاب العام إلى خلاف ذلك. ويثبت التاريخ مرارا وتكرارا أن المفاوضات كثيرا ما تستمر جنبا إلى جنب مع الضغط العسكري وليس بعده. تنبثق عدة استنتاجات استراتيجية من هذا التقييم: إن هرمز ليس قضية ثانوية، بل هو الجوهر الاستراتيجي للتوترات بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما يهيمن البرنامج النووي على عناوين الأخبار، فإن المضيق يشكل في نهاية المطاف الردع والتصعيد والاستقرار الإقليمي على المدى الطويل. تختلف الولايات المتحدة وإيران بشكل أساسي حول طبيعة هرمز نفسها. وتعتبرها واشنطن منطقة بحرية عالمية مشتركة، بينما تعتبرها طهران عنصرا حيويا في استراتيجية الردع الوطنية الخاصة بها. لن ينجح أي اتفاق دائم دون إطار أمني بحري موثوق. قد يؤدي وقف إطلاق النار إلى تعليق الأعمال العدائية، لكنه لا يستطيع القضاء على المنافسة الاستراتيجية الأساسية. ويمتد عدم الاستقرار في هرمز على الفور إلى ما هو أبعد من منطقة الخليج، مما يؤثر على أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، وأقساط التأمين، والتجارة الدولية، والحسابات الدبلوماسية في جميع أنحاء العالم. وفي نهاية المطاف، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بحرية الملاحة. الأمر يتعلق بمن يحدد الأمن في الخليج. وإلى أن تقوم كل من واشنطن وطهران بتطوير إطار أمني بحري مقبول للطرفين يحمي الملاحة الدولية ويعالج في الوقت نفسه المخاوف الأمنية الإقليمية المشروعة، فإن مضيق هرمز سيظل نقطة الخلاف الحاسمة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.